التوازن الاجتماعي لمواجهة أزمة كورونا في الفلسفة الإسلامية
تم نشره في الاثنين 5 تشرين الأول / أكتوبر 2020، 12:00 صباحاً أ.د. غسان الطالب في الوقت الذي ترزح فيه مجتمعاتنا العربية والإسلامية تحت الضغوط الاجتماعية التي…

تم نشره في الاثنين 5 تشرين الأول / أكتوبر 2020، 12:00 صباحاً
أ.د. غسان الطالب
في الوقت الذي ترزح فيه مجتمعاتنا العربية والإسلامية تحت الضغوط الاجتماعية التي أوجدتها جائحة كورونا من أزمة اقتصادية شملت جميع القطاعات الاقتصادية إلى ارتفاع في معدلات البطالة وتدني مدخولات الأفراد، نجد لزاما علينا أن نتحدث عن حالة التوازن الاجتماعي التي تميز بها ديننا الحنيف، والتي يمكن لها أن تكون إحدى الوسائل التي تمكننا من مواجهة الآثار الاجتماعية لأزمة فيروس كورونا "COVID-19".
فالتوازن الاجتماعي نعني به العدالة الاجتماعية التي تسود حياة الشعوب، وهي نظام اقتصادي اجتماعي يرمي إلى إزالة الفوارق الاقتصادية بين أفراد المجتمع. أما في الإسلام فإن العدالة الاجتماعية شملت جميع النواحي التي تتعلق بحياة الإنسان وسلوكياته مع نفسه ومع الآخرين؛ فرفض الظلم بكل أشكاله، وأول ما حارب نظام العبودية واستغلال البشر، وتحرير فكر الفرد من الجمود والتشتت وعبادة الأصنام إلى الإيمان ووحدانية الخالق.
فالعدالة الاجتماعية في الإسلام هي ذات طابع أكثر شمولية من الأنظمة الاقتصادية الأخرى، سواء النظام الرأسمالي أو النظام الاشتراكي "الشيوعي"، الذي يلغي دور الفرد في الحياة الاقتصادية، وجميعها تدور حول محور واحد هو ملكية الثروة ووسائل جمعها. قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (النحل: 90).
لهذا كان لا بد من وجود أسس أخلاقية، ومعايير، ونظام تشريعي لتعميق روح التكافل والتعاون بين المسلمين ورفع الظلم عنهم، فكان فرض الزكاة وتنظيم الميراث والحث على الصدقات وأعمال البر والإحسان، وجميع النشاطات الخيرية، وكل ما من شأنه أن يساهم في رفع المعاناة وعبء الفقر والحاجة عن كاهل المسلمين. وفي هذا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "من واسى الفقير وأنصف الناس من نفسه فذلك هو المؤمن حقاً".
وبناءً على هذا فقد حرم الإسلام الربا، قال تعالى: "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ" (البقرة: 275)، كما حرم الاكتناز، قال تعالى: "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" (التوبة: 34)، وحارب الغش والاحتكار واستغلال الإنسان للإنسان والهدر غير المبرر للموارد الاقتصادية للمجتمع، والأمثلة عديدة بهذا الخصوص.
ومن أوجه التوازن الاجتماعي التي أكد عليها الإسلام والمتمثلة في الحث على الصدقات ودعم الفئات المحتاجة في المجتمع لسد حاجاتهم لنصل إلى مجتمع متوازن تسوده العدالة والمساواة، قال تعالى: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" (التوبة: 60).
ومن مظاهر التوازن الاجتماعي هو إلغاء الفوارق بين أفراد المجتمع، والدعوة إلى التمسك بمبدأ الأخوة والمساواة، كونها الأساس القوي والمتين في العلاقة بين أفراد المجتمع المسلم. وفي أكثر من آية كريمة أكد القرآن الكريم بأن أصل البشر هو واحد، وأنه مخلوق من نفس واحدة ومن تراب، قال تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ" (الروم: 20).
فالعدالة الاجتماعية المنشودة هنا هي التي تكفل للمجتمع ولإفراده على السواء جميع الحقوق والواجبات، فإذا اختار المجتمع هذا النهج وطبقه فإنه وبكل تأكيد سيصل إلى حالة التوازن الاجتماعي المنشودة، والتي تكسب المجتمع حيوية، ويساهم فيه الجميع في عملية الإنتاج والتطور عندما يكون لديهم الشعور بالعدالة والمساواة في مجتمعهم.
عن هذه المادة
- التصنيف
- مقالات
- تاريخ النشر
- المصدر
- الجمعية الأردنية للمالية الإسلامية